واجتاحني حب كارون( الحلقة الثانية والسبعون ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة

Saturday, 23 January 2016 22:11 Written by  font size decrease font size decrease font size increase font size increase font size

بسم الله الرحمن الرحيم

**************************

سألني أحدهم قائلا: أنت الذي نقرأ عنك تمدح العراق ونظامه في عهد صدام حسين في كتاباتك هل أنت متيقن بأن ذلك النظام ورئيسه لم يرتكبوا أخطاءً ضد الشعب العراقي أو أخطاء سياسية كان بالإمكان أن لا يرتكبوها حتى لا يكونوا هم أول ضحاياها؟

قلت له: من قال لك أنا أنكر بأن هناك أخطاء ارتكبت في ذلك العهد كان بالإمكان أن لا ترتكب من حاشية الرئيس والمحيطين به من أقاربه ومن غير أقاربه والتي كان الناس يحسبونها عليه ويقولون هو وراء كل ذلك وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها.

كيف يمكنني أن أنكر ذلك ورجالات ذلك النظام الذين بقوا على قيد الحياة من مسؤولين في الدولة والحزب أي حزب البعث العربي الإشتراكي من الخط الأول والثاني والثالث وكذلك العسكريين والسياسيين والإعلاميين المحسوبين على تلك الفترة قاموا بتقييم عملهم وانتقدوا أخطاء الماضي وقوّموا تلك الفترة ورأووا أنه كانت هناك أخطاء كبيرة كان يجب أن لا ترتكب ويجب أن لا تتكرر في المستقبل.

ثانيا أنا أكتب ما شاهدته بعيني من أحداث عشتها وعشت فترتها ولست هنا في موضع الناقد لتلك المرحلة رغم إني أنتقد بعض الحالات التي هي من صلب واجبي وأنا أكتب هذه المذكرات، وحتى وإن انتقدت حالة ما أو شخص ما يجب أن أكون في نقدي منصفا، لأن أي شخص عندما يريد أن ينتقد أي حالة يجب عليه أن ينطلق من ضمير حي بعيدا عن الحقد والكراهية والأمور الشخصية والثارات وتشويه السمعة، وعليه أن ينتقد بكل أمانة وصدق من أجل البناء وليس من أجل التهديم، وبعيدا عن الكلمات والأوصاف التي تقلل من قيمة النقد وصاحب النقد، وتعطي صورة للآخرين بأن المُنتَقِد ينطلق من حقدٍ وضغينة ولا قيمة لنقده عند الذين يحترمون النقد البناء حتى وإذا كانوا هم المُنتَقَدون، لأنهم يدركون تماما بأن النقد البناء يشخّص حالات سلبية ويعطي البدائل والحلول الناجعة لهم كي يبنون أنفسهم بها كي لا يبقون موضع انتقاد دائم عند الآخرين وهكذا يطورون أنفسهم بالنقد البناء المرحّب به دائما، وعلى الناقد مثلما ينتقد الحالات السلبية أن يذكر الحالات الإيجابية أيضا وهذا هو الإنصاف الذي نتكلم عنه.

هكذا كنت عندما انتقدت حالة الضابط الذي كان ضمن حماية الشهيد القائد صدام حسين رحمه الله في الحلقة الماضية، ولم انتقده منطلقا من الحقد والضغينة، كلا إني ذكرت هذه الحالة لتكون درسا لمن يتصرف هكذا كي لا تذهب إيجابياته سدىً بهكذا تصرف،لأن الضابط المذكور كان أمينا في واجبه على حماية رئيس بلده ولديه مسؤولية كبيرة وأي خطأ أمني منه ومن رفاقة يدخل البلد في دوّامة خصوصا وهم في حالة دفاع عن بلدهم من الأطماع الإيرانية، وعندما انتتقدته لم أنوي تشويه سمعته أو الطعن به لا سامح الله بالعكس انتقدته بروح شفافة بعيدا عن الأمور الشخصية لكن كما ذكرت اريدها درسا للآخرين ليس إلا، علما إن أحد الأخوة  المتابعين للحلقات أخبرني بأن الضابط  الذي كنت أعنيه هو ليس ذلك الضابط الذي أطلق عليه لقب ( أخو فاطمة ) والذي حين تمت محاصرة القائد صدام حسين رحمه الله من قبل القوات الإيرانية  في إحدى قواطع العمليات في الجنوب أبان الحرب المفروضة على العراق من قبل  النظام الإيراني كان معه عندما كان يجلس الرئيس في مدرعة أو دبابة أو كان في موضع من المواضع -  لا أتذكر بالضبط -  في خضم إحدى المعارك التي كان يديرها بنفسه دون أن يعرف العدو بأن صدام حسين موجود مع القوات العراقية المحاصرة والتي تم فك الحصار عنها وعن الرئيس فورا وقبل وقوع الكارثة بفضل حنكة القادة العسكريين العراقيين الذين أبلوا بلاءً حسنا في تخطيطاتهم العسكرية أبان الحرب، ولما رأى هذا الضابط الخطر يداهمهم وبات الرئيس محاصرا من قبل العدو صرخ وهو يضرب كفا على كف من صميم قلبه  ( أنا اخو فاطمة – انا اخو فاطمة ) الرئيس محاصر؟

نعم لهذا أطلق عليه لقب ( أخو فاطمة ) وهذا الشئ موجود عندنا في الأحواز أيضا، ويوجد في أغلب الأقطار العربية خاصة العراق وأقطار الخليج العربي حيث أن الفرد حين يريد أن ينتخي وهو في حالة شدة أو في خطر يقول ( أنا عبد ابوي، أو أنا عبد فلان، أو أنا غلام فلان أو أنا أخو فلانة ) حيث أنه يستحضر هذه الأسماء أمامه وكأنه يقول في نفسه عيبٌ عليَّ أن أستسلم للخطر وأنا إبن فلان وأخو فلانة، لذا يشدّ من عزيمته ويزداد قوة وإصرارا على التغلب على مثل هذه الحالات ويخرج منتصرا في أغلب الأحيان كي لا ينهزم.

طبعا سمعت الشهيد صدام حسين وهو يتحدث عن هذه الحالة حيث قال رحمه الله:

" قلت للذين كانوا معي إذا ما وصل الأمر بنا إلى أنّ العدو تمكن منا لا سامح الله وأيقنتم بأننا لا نتمكن من فك الحصار ويمكن أن يتمكن العدو من أسرنا أريد أحدكم أن يقف خلفي ويطلق عليّ رصاصة لأستشهد في أرض المعركة بين المقاتلين وفوق تراب الوطن  خيرٌ لي من أن أقع أسيرا بيد الفرس أعداء الأمة العربية".

*********

الأحداث التي صادفتني في حياتي الإذاعية كثيرة وإذا ما أردت أن أكتبها كلها فأحتاج إلى مئات الحلقات لكنني أوجزها شئيا فشيئا وأقف عند المهمات منها والتي يجب أن يذكر مثلهن أي شخص يريد أن يفيد غيره بكتابة مذكرات عن مسيرته السياسية أو الإعلامية أو عن حياته الشخصية.

كان يتم إيفادنا نحن المذيعين والمترجمين كمندوبين من الإذاعة العراقية الناطقة باللغة الفارسية وإذاعتي بغداد وصوت الجماهير وإذاعة بغداد الناطقة باللغة الكردية وتلفزيون بغداد إلى قواطع العمليات ومقرات أسرى الحرب التي كانت أهمهما توجد في الموصل والرمادي وتكريت والسماوة أيضا وأماكن أخرى، أو عندما يتم عقد مؤتمر صحفي لأحد أقطاب المعارضة الإيرانية الذين كانوا يزورون العراق أو لأولئك الذين كانوا مقيمين فيه، وكنت في كثير من المرّات أمثل الإذاعة الناطقة باللغة الفارسية في مثل هذه الحالات كمندوب عنها لتسجيل تلك الأحداث وأعمل تقارير إخبارية صوتية عنها أو تسجيل لقاءات إذاعية وبعض الأحايين لقاءات تلفزيونية لتلفزيون بغداد كوني أجيد اللغة الفارسية وأستطيع ترجمتها للغة العربية ( إلى حدٍ ما )، وأثناء هذه الواجبات حدثت أمامي أشياء مهمة رأيت من الضروري أن أذكرها هنا، حيث كنا حين نذهب كمراسلين لتغطية أخبار المعارك في القواطع الجنوبية والشمالية نرى ونشاهد ما لا يرضاه الضمير الإنساني لكن ضمائر القيادات الإيرانية أثناء حربها المفروضة على العراق كانت ترضى بذلك وتستخدم كل شئ مقبولٍ أو غير مقبولٍ ولا إنساني لتغطي به على هزائم قواتها.

في السنين الأربع الأولى من عمر تلك الحرب  – لا أعرف بالضبط متى لكنها لاتتعدى الأربع سنوات الأولى - تمت دعوة مندوبي وسائل الإعلام للحضور إلى وزراة الدفاع لتغطية أمر مهم دون أن نعرف ما هو ذلك الأمر، وكان الموعد هو اليوم الثاني بعد إبلاغ الدعوة لمديرياتنا، وتم اختياري مندوبا عن الإذاعة الناطقة باللغة الفارسية مع الزميل منوجهر داووديان ( أبو منصور ) وهو كردي إيراني متجنس بالجنسية العراقية، لأنه سبقني إلى العراق بما يقارب عشرين عاما حين وطأت قدماي ترابه الطاهر عام 1979 لكن مشكلته كانت إنه لا يتقن اللغة العربية بالمضبوط وكانت لكنته الكردية تغطي على عربيته حين يتكلم، وكان ينادي المذكر بصيغة المؤنث وبالعكس، وبسبب هذه المشكلة التي لازمت زميلنا العزيز وهادئ الطبع وصاحب الأخلاق العالية الأستاذ أبو منصور كتب الله له الصحة والسلامة والعمر الطويل إذا كان حيا وإذا كان غير ذلك فله ولنا الرحمة جميعا أن أذكر موقفا منه هنا قبل أن أدخل بالموضوع الرئيسي وهو الذهاب إلى وزارة الدفاع، حيث بقيَت أحداث هذا الموقف تلازمنا وكلما ذكرناها نضحك وهو يضحك معنا دائما، وبقينا على هذه الحالة إلى فترة طويلة ولن أنسى ووعلى ما أظن لن ينسى ذلك الموقف زملائي الذين كانوا يعملون معي في الإذاعة الناطقة باللغة الفارسية وكانوا حاضرين أثناء حدوثه خصوصا المخرج القدير الأخ ( حسن الأنصاري – أبو أركان ) والزميل القدير الأخ ( هشام الطائي ).

أنا والزميل القدير الأستاذ منوجهر داووديان – أبو منصور في استوديو الإذاعة الناطقة باللغة الفارسية بغداد - 1983

كان أبو منصور وإلى عدة سنوات هو المكلف بالمكتبة الإذاعية الخاصة بالأشرطة الفارسية ، وكان أيضا يعمل معنا في الأستوديو عند بدء التسجيل، لأنه كان إلى حدٍ ما يعرف أن يتعامل بالأمور الفنية ، وأحيانا يقوم الرجل بقراءة مقالات باللغة الفارسية بين الفينة والأخرى رغم إنه أيضا غير مسطير تماما على اللغة الفارسية مئة بالمئة.

في يوم من الأيام قال له السيد المدير الأستاذ عبد الأمير أبو ياسمين أن يجلب له شريط أغاني عن الجيش العراقي من مكتبة إذاعة بغداد، لأننا كنا نستخدم أيضا أغاني وطنية حماسية عربية ظهرت بالمئات وكان الجمهور يتفاعل معها وإلى هذا اليوم يحفظها الناس، كنا نضعها بين موادنا السياسية والبيانات العسكرية وتصريحات الناطق العسكري.

ذهب أبو منصور إلى المكتبة وقال لأمين المكتبة أريد شريط أغاني من ( أبو جيشي !! ) ولم يقل له أريد أغاني وطنية عن الجيش العراقي.

وأبو جيشي هو الفنان القدير المرحوم مطلك بن فرحان بن عبدالله بن درفيل اللهيبي، من عشيرة الجبور، ومن مواليد الأنبار /قضاء الفلوجة ـ الكرمة عام 1917، وهو فنان عراقي معروف تميّز بغناء أهل البادية أو الغناء البدوي كما نسميه مثل ( كصيد بني هلال ، الهجيني ، المسحوب ، السامري ، الحدي والرفيعي .. كما كان يجيد العتابة والسويحلي والنايل بألوانه ، وهذه ألوان من ريف البادية ) ويعتبر أبو جيشي في مقدمة الذين تميزوا بغناء هذه الألوان والإلمام بكل جوانبها ، ويعتبر أول من نقل أغاني ريف البادية الى دار الاذاعة ضمن برنامج ـ من البادية ".

((منقول من موقع وكالة يقين الإخبارية - زاوية أسماء في الذاكرة )).

بعد أن ناول أبو منصور الشريط إلى السيد المدير أبو ياسمين وضعه الآخر تحت الأشرطة بانتظار استعماله في وقته ليكون آخر مادة نسجلها في ذلك اليوم دون أن يقرأ ما مكتوب على ظهر علبة الشريط الكارتونية أو حتى يعرف ماذا يحتوي هذا الشريط.

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الظهر وكانت آخر مادة لنا هو مقالة سياسية تمت قراءتها بصوت قوي لأنها كانت تهاجم مواقف خميني الرافضة لوقف إطلاق النار وإحلال السلام بين البلدين وكان مصرَّا على إدامة الحرب وكان يرفع شعار: ( حرب حرب حتى النصر) وبالفارسية ( جنگ جنگ تا پیروزي ) ويردده دائمادون الإكتراث إلى سقوط مئات الآلاف من الضحايا من كلا البلدين عكس الشهيد صدام حسين رحمه الله الذي كان ينادي دائما بوقف إطلاق النار بين البلدين والجلوس على طاولة الحوار، فكانت تحتاج هذه المقالة إلى أن نضع في خاتمتها أغنية وطنية قوية أو نشيد عن الجيش العراقي، علما إنّ هذا الوقت أي الساعة الثانية هو وقت انتهاء عمل موظفي الوقت الصباحي والكل كان ينتظر أن ينتهي العمل بوضع الأغنية الوطنية ليذهبوا إلى بيوتهم وإذا بالشريط  ليس هو الشريط المطلوب وليست هي الأغاني الخاصة بالجيش بل أن الشريط يحتوي على أغاني للفنان أبو جيشي!!

 وحين سأل المدير السيد منوجهر داووديان – طبعا باللغة العربية - لماذا هكذا يا أبو منصور؟

 قال له: ( أنتي تكول جيب أغاني أبو جيشي ).

ضحك أبو ياسمين وقال له: أنا قلت لك إجلب لنا شريط أغاني عن الجيش ولم أقل أبو جيشي.

قال له : هسه ما يهم كلشي ما سار – يعني ما صار– حتي لو جبت أبو جيشي بدل الجيش، لأن هسه خِلَس – يعني خلص الوقت - وكت دوام نريد نروه – يعني نروح - للبيت، وما في فرق الجيش إراقي – يعني عراقي - وأبو جيشي هم عراقي، وين مشكلة أنا ما يشوف مشكلة؟

طبعا كان الرجل يتكلم عن جد حين يقول لا توجد مشكلة بين الأثنين أبوجيشي عراقي والجيش أيضا عراقي.

ضحك كل من كان واقفا في الأستوديو بأعلى أصواتنا وهو أيضا ضحك معنا حتى أخذنا فترة طويلة نناديه بدلا من أبو منصور بـ( أبو جيشي ) وهو مرتاح لذلك لأنه طيّب القلب ولم يزعل أبدا.

بعد ذلك اضطر الجميع إلى ان ينتظر حتى ذهبت وجلبت أغاني حماسية فيها موسيقى قوية تلهب حماسة الجماهير وتم تسجيلها بعد المادة المذكورة وطالت هذه العملية نصف ساعة أخرى لكنها نصف ساعة جميلة جدا.

نعود إلى صلب الموضوع وهو الذهاب إلى وزارة الدفاع:

إجتمعنا في الساعة التاسعة تماما من صباح اليوم الثاني في كراج أو مرأب سيارات الإذاعة والتلفزيون كلنا من مراسلين ومصورين لتقلنا سيارات المؤسسة إلى قصر الثقافة والفنون الذي كان يقع بالقرب من مبنى وزارة الدفاع العراقية الكائن في منطقة باب المعظم والمطلّ على نهر دجلة الخالد وكان معنا نحن الإثنين جهازين تسجيل إذاعي وأدواتهما الكهربائية ولا قطات صوت مع أشرطة إذاعية قديمة دائرية الشكل ومتوسطة الحجم كانت تستخدم آنذاك، وأما جهاز التسجيل فكانوا يسمونه في العراق جهاز تسجيل ( نَكرة أو نَقرة ) قبل ظهور الأجهزة المتطورة من كاميرات تصوير ومسجلات وكمبيوتر وهاتف نقال وغيرها من الأجهزة الحديثة جدا والتي تستخدم اليوم في الإذاعة والتلفزيون أو في الصحف والإعلام بصورة عامة.

جلسنا في سيارتنا المخصصة لنا نحن ومندوبي إذاعة بغداد وسيارة لكادر إذاعة صوت الجماهير والإذاعة العراقية الناطقة بالكردية وسيارة لتلفزيون بغداد لأنهم كانت لديهم أجهزة تصويرة ومونيترات وكثير مما يحتاجونه من وسائل للتصوير الخارجي، وسارت بنا السيارات إلى قصر الثقافة والفنون في باب المعظم مقابل منطقة الميدان والمحطة الرئيسية لباصات الأمانة العامة لنقل الركاب وكانت سيارات ذوطابقين حمراء اللون وكذلك طابق واحد.

عند وصولنا إلى المكان المحدّد استقبلنا أحد ضباط التوجيه السياسي وإجتمع بالمندوبين جميعا وشرح لنا الأمر قائلا : وجّهنا لكم دعوة من أجل نقل حالة لا إنسانية قام بها النظام الإيراني وهي إرسال أطفال إيرانيين بعضهم لا يتعدى الأربع سنوات من عمره إلى جبهات القتال بسبب الدعاية الكاذبة التي كانوا يسمعونها من الإعلام الإيراني والتي جعلتهم دون وعي أو تفكير يأتون أما بمفردهم وأما مع آبائهم إلى الموت بأرجلهم، ولا أريد أن اشرح لكم كل شئ وأترككم أنتم تسمعون القصص منهم، وأريد أتعرّف على الأخ الذي جاء من الإذاعة الناطقة باللغة الفارسية ليقوم بمهام الترجمة لوسائل الإعلام.

قلت له أنا مندوب هذه الإذاعة وإسمي كذا.

رحّب بي الضابط وقال الذي نطلبه منك هو أن تكون ودودا بالكلام مع الأطفال ودون أن تشعرهم بأنهم أسرى أو أن تجعلهم يحسّون بالخوف، لأن وصايا القيادة العراقية لنا بالرأفة والرحمة بهم منذ يومين حين وقعوا هؤلاء الأطفال بأيدينا إلى هذه اللحظة لم تنقطع، فأرجوك ثم أرجوك أحسسهم بأنهم بين أهليهم وكل ما يطلبونه منا سنوفره لهم بأمر من الرئيس القائد المهيب الركن صدام حسين والقيادة العامة للقوات المسلحة .

قلت له: سيكون ذلك لهم وللقيادة إن شاء الله تعالى.

جلس الضابط وجلسنا نحن جميع المندوبين معه بسيارته العسكرية وجاءت خلفنا سيارات الإذاعة تقل بقية زملائنا المكلفين معنا بتغطية الحدث ودخلت سيارتنا وخلفها البقية من الباب الرئيسي لوزارة الدفاع الكائن أمام المكتبة الوطنية العامة وبعد عبورها البوابة الرئيسة بخمسين مترا تقريبا إتجه السائق نحو اليمين حيث الحديقة الكبيرة والجميلة في مقر الوزارة والتي يقع خلفها جسر باب المعظم وبمحاذاته مدينة الطب المعروفة في بغداد على مستوى العراق وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة قبل الظهر بأقل من بضع دقائق، وحين نزلنا من السيارات شاهدنا أكثر من عشرة أطفال جالسين في الحديقة يتجاذبون الحديث ويلعبون فيما بينهم وحتى كان اثنين منهم لا يتجاوزون الخمس سنوات قد جلب لهم ضباط التوجيه السياسي بعض الحاجيات التي يحتاجها من هم في عمرهم ليلعبون بها وكان أمامهم كثير من الحلوى والعصائر المعبأة في علب خاصة وفيها قصب بلاستيكية، وكان أكثرهم بيده من هذه العصائر والبسكويت وكانوا يشربون ويأكلون وهم يجلسون  فوق النجيد أو الثيل أو الحشيش الأخضر سمّوه ما شئتم.

والله ثم والله عندما رأيت هؤلاء الأطفال دمعت عيناي وسألت نفسي فورا: ما هوحال أمهاتهم الآن؟

وتساءلت المزيد في نفسي: مَن هو المسؤول عن هذه الحالة، العراق أم نظام الدجل في طهران؟

كيف يجوز لهؤلاء الظلمة حكام قم وطهران الذين يدّعون الإسلام وأهل البيت عليهم السلام والإسلام وأهل البيت منهم براء أن يرسلوا مثل هؤلاء المعصومين الذين لا يعرفون من دنياهم أي شئ إلى جبهات القتال، ويعرفو هؤلاء الحكام جيدا بأن هؤلاء الأطفال الآن هم في سن لهوهم ولعبهم مع إخوتهم وأقرانهم، ويجب أن يكونوا الآن جالسين على رحلات مدارسهم؟

فما ذنبهم أيها الظلمة يا حكام طهران كي ترسلوهم إلى الموت في الوقت الذي ترسلون فيه أولادكم وعوائلكم إلى أرفه وأجمل الأماكن في الدنيا ليعيشون بعيدين عن أجواء الموت والحروب؟

وهكذا رأيت بعض الزملاء من مندوبي بقية الإذاعات كانت الحسرة والعبرة مخنوقة في صدورهم، ومثلهم بعض الضباط والجنود العراقييين خصوصا أولئك الذين تسكن عوائلهم وأطفالهم في محافظات أخرى بعيدين عنهم ومنذ فترة لم يذهبوا لزيارتهم ورؤيتهم.

عند ذاك جاء إلينا ضابط عراقي طويل القامة كان برتبة عقيد آنذاك ولم أنسى إسمه إلى هذه اللحظة وهو بالضبط ( عقيد قدوري ) وكان ضابطا خلوقا جدا ورحّب بنا وقال لي: أريد منك  أن تكلمهم باللغة الفارسية وتسألهم هل يرغبون بالتحدث مع عوائلهم عبر وسائل الإعلام العراقية ليطمئن اهليهم عليهم بأنهم أحياء والآن هم في العراق تحت رعاية الدولة العراقية أم لا؟

ملاحظة قبل الختام أنقلها لكم بكل صدق وأمانة:كنت كلما أردت أن أجري لقاءً إذاعيا أو تلفزيونيا مع الأسرى ليتحدثون مع عوائلهم كي يطمئنوهم بأنهم أحياء كان ضابط التوجيه السياسي في مقر الأسرى يطلب مني أن أسأل مَن أريد أن أجري معه اللقاء هل يرغب بذلك أم لا؟ فإذا قبل بإجراء اللقاء يتم اللقاء وإذا رفض ذلك فهو حرّ لأنه هو من يقرّر وليس نحن.

وعرفت بعد ذلك بأنه إذا تم إجراء اللقاء خارج عن رغبة الأسير فهو ممنوع منعا باتا ولا تقبل به القيادة العراقية أبدا ويعاقب عليه من يخالف ذلك.

أكمل معكم هذا الموضوع في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى وحتى ذلك الحين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة:

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودّون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

لمتابعة الحلقات السابقة :اضغط هنا

 

 

Read 2605 times
Rate this item
(0 votes)
Last modified on Sunday, 24 January 2016 20:44

تابعونا :

تويتر  :   فيس بوك    :      قناة الجبهة البث    :    اليوتيوب