واجتاحني حب كارون ( الحلقةالسبعون ) فؤاد سلسبيل – أبورسالة

Saturday, 09 January 2016 19:10 Written by  font size decrease font size decrease font size increase font size increase font size

بسم الله الرحمن الرحيم

*****************

في نهاية الثمانينات من القرن الماضي أقيمت دورة إعلامية للأحوازيين في بغداد وذلك لتدريب كوادر إعلامية من مذيعين مؤهلين للعمل في مجال الإذاعة ( الراديو ) والعمل في مجال التلفزيون وكان مركز تدريبهم هو ( معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني) والذي يقع مقابل بوابة دخول المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون الكائنة في بغداد بمنطقة الصالحية، حيث تدربوا على يد أمهر المذيعين العراقيين وكان من بينهم المذيع الرائد القدير الأستاذ بهجت عبد الواحد ( أبو رونق ) وكذلك تدريب كوادر فنية في مجال الإذاعة والتلفزيون، حيث تم تدريبهم على جميع الأجهزة التي تخص التسجيل الصوتي واجهزة الكنترول وأنواع الأجهزة التي كانت تستخدم آنذاك قبل دخول الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر والموبايل.

أما في مجال التلفزيون فقد تم تدريبهم على أنواع الكاميرات التصويرية المحمولة التي كانت تستخدم في مجال التصوير الخارجي أو الكاميرات التي كانوا يستخدمونها في مجال التصوير الداخلي في استوديوهات التصوير.

بعد انتهاء الدورة فعلا تخرج منهم كادر كان يعمل كلٌ في مجاله حتى كانوا يتولون تصوير جميع أنشطة الجبهة العربية لتحرير الأحواز وجيش تحرير الأحواز ونشاط أي مؤسسة أخرى تابعة للجبهة وذلك للتوثيق، لكن مع الأسف الشديد كل هذا الأرشيف تعرض إلى الخراب والسرقة لمرتين من قبل عملاء إيران الأولى في بداية التسعينات من القرن الماضي حين أطلق نظام خميني العنان لعملائه الذين يأتمرون بإمرته وأمرهم بتخريب كل شئ جميل في العراق وقتل أبناء الشعب العراقي وإيجاد بلبلة قوية من أجل عدم استقرار هذا البلد، وأطلق على هؤلاء المخربين آنذاك بالـ( غوغائيين ) الذين بالفعل دمروا كل شئ في الأماكن التي تمكنوا من السيطرة عليها، لكن بعد ذلك تم التصدي إليهم بقوة وحزم من قبل الجيش العراقي الباسل بعد أن استعد لهم استعدادا كاملا وبإرادة قويه رغم أنهم تمكنوا أن يحتلوا ثلثي المدن العراقية في الجنوب والعبث فيها.

كنت أحد الشهود على تلك الفترة حين تركنا بغداد خوفا من القصف الأمريكي – الغربي المكثف على العراق وتوجهنا إلى محافظة ( واسط ) وسكنا في منطقة ( الدجيلة  ) التي كانت تبعد عن مركز المحافظة أي مدينة الكوت حوالي 40 كيلومترا فقط وهي قرية كبيرة كان يسكن فيها معظم الأحوازيين الذين ورغم قلة عددهم مقابل الغوغائيين لكنهم تمكنوا من أن يواجهوا عملاء ايران من المليشيات المدججة بالسلاح ويمنعوهم من الدخول إلى منطقة سكناهم أي منطقة الدجيلة وحذروهم من الإقتراب إلى بيوتهم وكانوا يحرسون المنطقة كل مقابل بيته والكل كان مسلحا بسلاح خفيف عبارة عن بنادق كلاشينكوف لكن كانوا على أهبة الإستعداد للتضحية من أجل الدفاع عن شرفهم وعن عوائلهم.

كنا أنا وإخواني نحرس مع بقية إخواننا الأحوازيين حيث كانت لدينا بندقية كلاشينكوف ومسدسات اثنين زوّدتنا بها الحكومة العراقية لحماية أنفسنا من أي طارئ يطرأ على العراق خصوصا من جانب إيران، لأنها كانت حكومة واعية وتعرف نوايا نظام الإحتلال الفارسي من قبل، لذا زوّدت المواطنين جميعا خاصة الناس الذين تعرف إخلاصهم للعراق والأمة العربية ومن كل القوميات وشرائح المجتمع العراقي بسلاح خفيف لحماية أنفسهم.

والمسألة الثانية التي يجب أن تذكر للتأريخ هي أن الحكومة العراقية حين أدركت خطورة الوضع قبل الهجوم على العراق وعرفت بأنه يمكن أن يطول أمد الحرب قامت بتسليم المواطنين العراقيين وجميع المقيمين في العراق من عرب وغير عرب ولم تفرّقهم عن العراقيين الحصة التموينية التي كانت تسلمها للعوائل في كل شهر وبانتظام قررت أن تسلم لكل عائلة حصة تموينية لمدة ستة أشهر في آن واحد بدلا من كل شهر خوفا من قصف مخازن الخزين الإستراتيجي في العراق من قبل الطيران الأمريكي وتدمير كل ما مخزون بها من تموين  غذائي ودوائي، وأيضا خوفا من عدم تمكين وصولها إلى الوكلاء بسبب كثافة القصف والنيران المعادية وقطع الطرق بين بغداد والمحافظات وحتى داخل العاصمة نفسها وتموت الناس جوعا.

حتى نبقى في موضوعنا نعود إلى مسألة الأرشيف، فبعد أن تم احتلال أغلب المدن العراقية خاصة الجنوبية منها من قبل الغوغائيين بمساعدة الحرس وقوات التعبئة الإيرانية تم إتلاف وسرقة الأرشيف الإذاعي والتلفزيوني الذي كان في مبنى الإذاعة والتلفزيون في مدينة البصرة الفيحاء بعد أن تمكن الغوغائيين من احتلال البصرة والسيطرة على المباني الحكومية فيها ومنها مبنى الإذاعة والتلفزيون حيث قاموا بمصادرة كل ما كان في المبنى من وثائق وأجهزة الكترونية ومن ثم احراقه بالكامل إلا الشئ القليل الذي لم يكن في حينها داخل هذا المبنى.

وأما المرة الثانية فقد حدث ضياع الأرشيف عندما هاجمت أمريكا وحلفائها وإيران وعملائها العراق عام 2003 حيث قاموا بإتلاف الكثير من الأرشيف الإذاعي والتلفزيوني الخاص بالأحوازيين والقضية الأحوازية إلا ذلك الذي تم الإحتفاظ به من قبل الأخ نصار الخزعل وهو نجل الشيخ أحمد الفيصل، وهناك يوجد عدد من العراقيين الذين نعرفهم احتفظوا بما تمكنوا من الإحتفاظ به من الوثائق والكتب وبعض الصور والسجلات الخاصة والأفلام التي تخص الجبهة العربية لتحرير الأحواز وجيش تحرير الأحواز والإتحاد العام لطلبة وشباب الأحواز والإتحاد العام لنساء الأحواز لكن ظروفهم لا تسمح لنا بالإتصال بهم والحديث معهم حول هذا الموضوع أو جلب ما متوفر لديهم من أرشيف خاصة أرشيف جيش تحرير الأحواز كي يتم أرشفته مع الأرشيف الأحوازي العام المتوفر عند الأحوازيين جميعا، لأن هذا الأرشيف هو ملك الشعب العربي الأحوازي برمته وليس ملك جهة بعينها أو أحد بذاته.

نعم دخلنا دورات إعلامية ودخلنا دورات سياسية كان يُلقي فيها  كبار السياسيين العراقيين والعرب محاضرات قيمة وكانوا لم يبخلوا علينا بالحديث عن تجاربهم السياسية والتنظيمية والإعلامية.

تمت إقامة ثلاث دورات سياسية للأحوازيين وأول دورة دخلوها كانت في عام 1989 وهي نفس السنة التي هلك فيها خميني وكان ذلك بتاريخ الثالث من يونيو 1989 وأتذكر جيد حين جاءنا خبر موت خميني قام أحد المشاركين في الدورة من الأشقاء العراقيين الذي استشهد له إبنه الكبير وشقيقه  في الحرب التي فرضتها ايران على العراق والتي كانت قد انتهت قبل عام من تلك السنة التي اقيمت فيها الدورة وكتب على سبورة القاعة وبخط كبير هذه العبارة بالضبط ( هلك الدجال خميني فإلى جهنم وبئس المصير ) وعندما دخل المحاضر ليلقي محاضرته علينا وكان في حينها المرحوم طارق عزيز ونظر الى العبارة فورا طلب من احد المشاركين في الدورة ان يقوم بازالتها وقال :جئتكم لألقي عليكم محاضرة في موضوع سياسي لكنني أضطر أن أبدلها إلى موضوع إنساني وأول شئ اقوله لكم هو ( لا شماتة في الموت حتى وإن كان عدوكم الذي تسبب بقتل الملايين من الشعبين العراقي والإيراني لأنه لم يقبل بوقف إطلاق النار بين البلدين بعد أربعة ايام من بدء الحرب عام 1980 )...نعم يجب عليكم ان تسيطروا على اعصابكم في مثل هذه الحالات لأنكم سياسيين والسياسي يجب أن يتصرف بحكمة وروية ونحن كلنا بشر ولهذا تسمعون الرئيس صدام حسين حين يذكر اسم عبد الكريم قاسم يقول رحمة الله عليه أو الله يرحمه رغم إنه هو من قام بإطلاق النار عليه في شارع الرشيد.

كنت أحد الأحوازيين الذين تم اختيارهم من قبل قيادة الجبهة العربية لتحرير الأحواز بالتنسيق مع المسؤولين من الأشقاء العراقيين لدخول هذه الدورة التي كان يشترك معنا فيها عدد كبير من الأشقاء العراقيين والعرب من سياسيين ومسؤولين حكوميين، مدنيين وعسكريين برتب متقدمة في الجيش العراقي الباسل، إضافة إلى كوادر حزبية من حزب البعث العربي الإشتراكي ومن كوادر إعلامية ومن جميع شرائح المجتمع العراقي من النساء والرجال.

ومن الأحوازيين الذين اشتركوا في هذه الدورة والتي كانت تعتبر بالنسبة لنا هي الدورة السياسية الأولى، إضافة لي كانوا كل من رفاق دربي:

الشهيد حسين ماضي حسن أبو علي رحمه الله أمين عام الجبهة العربية لتحرير الأحواز حتى عام 1991 ، وسيد علي السيد هادي آخر أمين عام للجبهة العربية في العراق حتى عام 2004، وفيصل عبد الكريم أبو ميثم أمين عام الجبهة إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور، و ناصر حنظل أبو حبيب عضو قيادة الجبهة العربية آنذاك وكانت معنا إحدى الماجدات الأحوازيات وهي الدكتورة فاطمة إبنة المناضل الأحوازي المعروف صالح عبد النبي البجاري أبو الشهيد علي رحمهم الله.

في هذه الدورة كنا نتلقى محاضرات قيمة في المجالات المذكورة أعلاه حيث كان كبار مسؤولي الدولة العراقية والحزب بقيادتيه القومية والقطرية يحاضرون في مثل هذه الدورات ومن هؤلاء المسؤولين الكبار المرحوم طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية، وطه محيي الدين معروف نائب رئيس الجمهورية، والمرحوم طارق عزيز عضو مجلس قيادة الثورة وأبرز وزير خارجية ونائب رئيس مجلس الوزراء العراقي، والمرحوم الدكتور سعدون حمادي رئيس الوزراء ووزير الخارجية ورئيس المجلس الوطني العراقي الأسبق،  والمرحوم الدكتور الياس فرح عضو القيادة القومية وأحد منظري الحزب الكبار وهو من القطر السوري الشقيق، والدكتور عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية وهو من القطر اللبناني الشقيق، الدكتور قاسم سلام عضو القيادة القومية وهو من القطر اليمني الشقيق،  والمرحوم سعدي مهدي صالح رئيس المجلس الوطني العراقي الأسبق، والدكتور علي غنام الخبير بالشؤون الإقتصادية وشؤون الخليج العربي عضو القيادة القومية وهو من المملكة العربية السعودية الشقيقة، والأستاذ لطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام العراقي الأسبق، ومحمد سعيد الصحاف وزير الإعلام وآخر وزير للخارجية العراقية في عهد الشهيد صدام حسين، والفريق الركن المرحوم عبد الجبار شنشل رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق والمعروف بهيبته وحزمه العسكري، والشاعر والإعلامي المعروف حميد سعيد رئيس المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون الأسبق، والشاعر والإعلامي المعروف سامي مهدي رئيس المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون الأسبق، والدكتور محمد مهدي صالح آخر وزير للتجارة  قبل احتلال العراق عام 2003، والمرحوم محمد حمزة الزبيدي رئيس الوزراء العراقي الأسبق وسعدون شاكر وزير الداخلية الأسبق، ومحمود ذياب الأحمد وزير الداخلية العراقي قبل احتلال بغداد عام 2003 والسياسيَين الفلسطينيَين المخضرمَين ناصيف عواد وحسن طوالبة، ناهيك عن كبار المؤرخين والإعلاميين العراقيين والعرب كالدكتور مصطفى عبد القادر النجار، والمؤرخ والإعلامي العراقي محمد مظفر الأدهمي، والمؤرخ العراقي الأستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، والأستاذ الدكتور رسول راضي، والدكتور سهيل الفتلاوي، والمؤرخ العراقي الكبير الأستاذ الدكتور علاء موسى نورس، والكثير الكثير الذين لا تحضرني الآن أسماؤهم.

 استفدنا من هؤلاء العمالقة سواء في مجال السياسة أو في مجال التاريخ أو في مجال الأمور التنظيمية خير استفادة، حيث إننا مازلنا نتذكر تلك المعلومات القيمة التي كسبناها منهم ونتذكرهم ونترحم على أرواحهم شهداء وأموات وندعوا للأحياء منهم بالصحة والعافية وطول العمر.

بعد ذلك أقيمت دورتين مماثلتين للأحوازيين في بغداد حيث دخل فيها العديد منا واستفادوا منها ونهلوا من خبرات وتجارب الكبار في مجال السياسة والتاريخ والإعلام والتنظيم وكان على رأس الأحوازيين في الدورة الثانية رفيق دربي الأخ محمود حسين بشاري أبو هبة أمين عام الجبهة العربية لتحرير الأحواز حتى عام 1999 والذي تم تجديد انتخابه في المهجر من خلال المؤتمر الإنتخابي السابع الذي جرى في مملكة السويد بتاريخ 25/10/2008  لهذا المنصب أيضا من عام 2008 حتى عام 2012، لأنه لم يرشح مثلي والكثير من القدامى في المؤتمر الإنتخابي الثامن الذي جرى بتاريخ 16/6/2012 في السويد والذي أصبح رفيق دربنا الأخ فيصل عبد الكريم على رأس قيادة الجبهة العربية لتحرير الأحواز منذ عام 2012 وإلى هذه اللحظة ونحن معه نعمل معه وبقية رفاقنا في القيادة بكل طاقاتنا حتى وإننا خارج القيادة لأننا عاهدنا أنفسنا على أن نبقى نخدم وطننا ونناضل من أجل تحريره في صفوف الجبهة العربية حتى آخر رمق من حياتنا ولا تهمنا المناصب.

  نعم دخلنا هذه الدورات إضافة إلى دخولنا في دورات طلابية وشبابية كثيرة أقامها الإتحاد العام لشباب العراق والإتحاد الوطني لطلبة العراق وكان من المحاضرين في هذا المجال الدكتور فهد الشكرة آخر وزير تربية قبل احتلال العراق عام 2003 وكان في حينها رئيس المكتب التنفيذي للإتحاد الوطني لطلبة العراق والدكتور سيف الدين المشهداني عضو القيادة القطرية في حزب البعث العربي الإشتراكي قبل الإحتلال والذي كان في حينها رئيس المكتب التنفيذي لشباب العراق والمرحوم حسن نوفل والأستاذ طالب الربيعي وغيرهم من المتخصصين بشؤون الطلبة والشباب.

 في مثل هذه الدورات دخلت أيضا الماجدات الأحوازيات في دورات تخص عملهن النسوي وكانت هذه الدورات تقام من قبل الإتحاد العام لنساء العراق واتحاد النساء العربي العام.

نعم هكذا كنا نتلقى محاضرات وندخل دورات في العراق في كل المجالات واذا كان هناك نفر منا لم يستفد منها ويقول بأنها لم تفيدني بشئ فكان القصور منه، لأنه لم يتفاعل معها، لأن هناك الكثير من الأحوازيين الذين اشتركوا فيها استفادوا منها وتخرّجوا بعدها من أفضل الجامعات العراقية وبشهادات عليا وصلت حد الدكتوراه ودرجات علمية أكبر من ذلك وفي جميع الإختصاصات.

 على الإنسان أن يغتنم فرص الخير لأنها تمر عليه مر السحاب.

نختتم هذه الحلقة وموعدنا معكم في الحلقة القادمة ان شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة:

من أجل تزويدنا بمعلومات، أو تصحيح معلومة، أو تزويدنا بأسماء الشهداء أو بقية المناضلين الذين لربما ننساها ولا نذكرها مع الأسماء التي نذكرها في الحلقات، أو من أجل أي استفسار تودون أن تستفسروه منا، يرجى التواصل معنا عبر الأيميل التالي:

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

لمراجعة الحلقات السابقة اضغط هنا

 

 

Read 2676 times
Rate this item
(0 votes)
Last modified on Sunday, 10 January 2016 12:19

تابعونا :

تويتر  :   فيس بوك    :      قناة الجبهة البث    :    اليوتيوب